ابن عربي
232
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، ثم دعا بين ذلك ، قال مثل هذا ثلاث مرات ثم نزل إلى المروة ، حتى إذا انتصبت قدماه في بطن الوادي أسرع حتى إذا صعد مشى حتى أتى المروة ، ففعل على المروة كما فعل على الصفا ثم فعل مثل ذلك حتى بلغ سبع أشواط وختم بالمروة ، واتفق العلماء أن من شرط السعي الطهارة من الحيض وليس من شرطه الطهارة من الحدث ، والطهارة أولى ، والسعي سنة فإن خرج عن مكة ولم يسع فليس عليه أن يعود وعليه دم ، واتفق العلماء أن السعي ما يكون إلا بعد الطواف بالبيت ، وأنه من سعى قبل الطواف يرجع فيطوف « وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ » ما سمى الحق نفسه بالاسم الشاكر والشكور إلا لنزيد في العمل الذي شرع لنا أن نعمل به ، كما يزيد الحق النعم بالشكر منا ، فإن الشكر يقتضي الزيادة لذاته من المشكور مما شكر من أجله ، فإذا علم ذلك علم أن الحق تعالى يطلب الزيادة من عباده في دار التكليف مما كلفهم فيها من الأعمال ، فهو يشكر عباده طلبا للزيادة منهم مما شكرهم عليه مثل ما قال لعباده ( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ) فطلب سبحانه من عباده بشكره أن يزيدوه فزادوه من العمل ، وهو قوله صلّى اللّه عليه وسلم : [ أفلا أكون عبدا شكورا ] فزاد في العبادة لشكر اللّه له شكرا ، فزاد الحق في الهداية والتوفيق في موطن الأعمال حتى إلى الآخرة حيث لا عمل ولا ألم على السعداء ، وأردف سبحانه وصف نفسه بالشكر وصفه بالعلم ، لأن مرتبة العلم تعطي أن وقوع خلاف المعلوم محال ، والشكور من أسماء اللّه تعالى ، هو ببنية المبالغة ، وهذا الاسم مختص في حق من أعطاه من العمل ما تعين على جميع أعضائه وقواه الظاهرة والباطنة في كل حال بما يليق به ، وفي كل زمان بما يليق به ، فيشكره الحق على ذلك بالاسم الشكور ، وأما العامة فدون هذه الرتبة في أعمال الحال والزمان ، فإذا أتوا بالعمل على هذا الحد من النقص تلقاهم الاسم الشاكر
--> « أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما » أي إذا طاف بينهما ، فإن المؤمنين خافوا أن يكون عليهم إثم في الطواف بينهما من أجل الصنمين اللذين كانا عليهما ، فلم يريدوا التأسي بالمشركين ، فأخبر اللّه المؤمنين أنه لا إثم عليهم في ذلك لكون الحق جعل ذلك مشروعا للمؤمنين « وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً » فمن فعل من أفعال الخير ما ندب إليه ولم يجب عليه « فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ » يشكره على ذلك « عَلِيمٌ » أي يعلم أن العبد إذا تقرب إلى اللّه بما لا يجب عليه أن ذلك من تعظيم اللّه في نفسه ، قال الأعرابي للنبي عليه السلام حين ذكر له فرض الحج : هل عليّ غيره ؟ قال : لا إلا أن تطوع ، فجعل فعل ما لا يجب تطوعا ،